المقريزي
107
تاريخ اليهود وآثارهم في مصر
اعلم أنّ اللّه سبحانه لمّا أنزل التّوراة على نبيّه موسى عليه السّلام ضمّنها شرائع الملّة الموسويّة . . وأمر فيها أن يكتب لكلّ من يلي أمر بني إسرائيل ، كتاب يتضمّن أحكام الشّريعة ؛ لينظر فيه ، ويعمل به ، وسمّى هذا الكتاب بالعبرانيّة « مشنا » « 1 » ومعناه : استخراج الأحكام من النصّ الإلهىّ . . وكتب موسى عليه السّلام بخطّ يده « مشنا » كأنّه تفسير لما في التّوراة من الكلام الإلهىّ . . فلمّا مات موسى عليه السّلام ، وقام من بعده بأمر بني إسرائيل « يوشع بن نون » ومن بعده إلى أن كانت أيّام « يهوياقيم » « 2 » ملك القدس . . غزاهم بختنصّر الغزوة الأولى « 3 » ، وهم يكتبون لكلّ من ملكهم « مشنا » ينقلونها من المشنا الّتى بخطّ موسى ، ويجعلونها باسمه .
--> ( 1 ) المشنا ( كلمة عبرية ) رسمها هكذا : « مشنه » بكسر ، فسكون : وهو اسم كتاب عبرى فقهى ، بمنزلة التفسير للتوراة . لكن للربانيين فيه اعتقاد خاص بهم دون القرّائين . . هو أنه سنّة تواترت عن موسى عليه السلام ، أوحى به إليه في جبل سيناء ، مدة الأربعين يوما التي قضاها به ، كما أوحيت إليه التوراة ، وأمر ألا يكتب « المشنا » وإنما يبلّغه شفاها ؛ ولذا فهو يعرف عندهم بالتوراة الشفوية ، فإنهم يقولون : التوراة . اثنتان : أحدهما المعروفة ، والثانية : المشنا . وقد وقع الكتاب بما علق عليه وما أضيف إليه في عشرين جزءا كبيرا ، ومن حينئذ عرف ب ( التلمود ) ، كما عرف أيضا بلفظ : ( الجمرة ) أو ( الجمارا ) . وجمرة : مصدر جمر . بمعنى : أتم وأكمل ووفّى . فإذا ذكرت ( الجمرة أو الجمارا ) : علم أنها هذا العمل الأخير . وإذا ذكرت ( المشنا ) : علم أنه المثنى دون الترجيح والشرح . وإذا ذكر ( التلمود ) : صدق على الاثنين . والتلمود اثنان : أورشليمى ، وبابلى . والأورشليمى أقدم - والمشنا في التلمودين يختلف في كثير من المواضع . راجع : ( مراد فرج . القراءون والربانون ص 36 و 41 ، وحسن ظاظا . الفكر الديني الإسرائيلى ص 95 و 108 ) . ( 2 ) يهوياقيم : اسم عبرى ، ويدعى أيضا : يوياقيم ، ويوقيم . . ملك يهوذا سنة ( 608 ق . م ) . ( المرجع السابق ) . ( 3 ) كان ذلك سنة ( 602 ق . م ) تقريبا ، وكان من بين سبيه دانيال ورفاقه . ( قاموس الكتاب المقدس ) .